اذهب الي المحتوي
منتديات ياللا يا شباب
سحر العيون

يوم تجد كل نفس ماعملت

Recommended Posts

يا أهل الذنوب تدبروا هذه الآية فإن فيها بلاغة لمن تذكر, وزجرا لمن اعتبر, وتخويفا لمن تدبر, ونهيا لمن تفكر. فالفكر عبادة وخير وزيادة لن مولاكم الكريم قد خوفكم وهددكم وزجركم بها زجرا شديدا فقال ((يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا)) –آل عمران: 30- ثم قال: ((ويحذركم الله نفسه))-آل عمران:30_ أي يحذركم عقابه وعذابه إذا عصيتموه, ويجزل لكم ثوابه إذا أطعتموه, فلا يحقرن أحدكم من الذنوب شيئا وإن صغر فربما كان فيه شدة العذاب والعقاب, ولا يحقرن أحدكم حسنة يعلمها وإن قلت فربما كان فيها الرضا من الملك الوهاب. واعلموا أن الذنب الذي يحقره صاحبه يكون يوم القيامة في ميزان فاعله أثقل من جبال الأرض, فازجر نفسك عن غيها وقدم في حياتك. ليوم فقرك. والأصل في الذنب الصغير أن يكون سببا لدخول صاحبه في النار. إن العبد المغرور يعمل الذنب ويحقره ولا يفكر في من قد عصاه وهو الجبار جل جلاله, فعند ذلك يغضب عليه مولاه ويقول له: عبدي حقر ذنبه واستخف بحقي وعزتي وجلالي لعذبنه عليه بالنار ومن تاب تاب الله عليه وغفر له بالتوبة.

 

وقد قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"إياكم ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا"_رواه الامام احمد_ قال الله سبحانه: ((يوم تجد كل نفس ما عملت))_ آل عمران: 30_

 

وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"–رواه الترمذي وابن ماجه_ فإذا رأى المسكين الذي عمل السوء وقد أحاطت به الكروب وترافدت عليه الهموم والخطوب واسود وجهه من ظلمات الذنوب, وقد غضب عليه علام الغيوب, ورأى الذين تابوا من أخوانه وأهله وأصحابه وجيرانه قد فازوا بالملك الكبير, والحساب اليسير, ولباس السندس والحرير, والنظر إلى وجه السميع البصير ورأى نفسه قد خسر وخاب, وحرم الثواب, ونوقش الحساب, وحجب عليه الأرباب, وصار إلى اليم العذاب. يود لو كان تائبا, ولم يكن العذاب عليه شديدا. يود لو كان من التائبين, ولم يكن من المحرومين, يود لو كان من الآمنين, ولم يكن من المخالفين, يود لو كان من الطائعين, ولم يكن من العاصين, يود لو كان من المحسنين, ولم يكن من الظالمين, يود لو كان من أهل الجنان, ولم يكن من أهل النيران, يود لو كان من أهل الثواب, ولم يكن من أهل العقاب, يود لو كان من أهل النعيم, ولم يكن من أهل الجحيم, يود لو كان من الأولياء, ولم يكن من الأشقياء. يود لو كان من أهل الوفاق, ولم يكن من النفاق, يود لو كان من أهل الفوز بالجنة, ولم يكن من أهل العذاب والمحنة. يود لو كان سعيدا رشيدا, ولم يكن عن الله بعيدا. لا أبعدنا الله وإياكم من رحمته, وقربنا وإياكم بالفوز لجنته.

 

وقد ذكر في بعض الأخبار أن العبد إذا مات أحضر عمله كله عند رأسه حين يغسل خيرا كان أو شرا فإذا صلى عليه ومضى إلى قبره وانصرف الناس عنه بقي عمله معه في قبره إلى يوم يخرج من فإذا خرج خرج معه, فإذا قدم على الحساب اجتمع عمله كله خيره وشره حتى حركاته وأنفاسه ووفاقه وخلافه, يجد الكل مجموعا لم ين منه شيء من الكبائر ولا من الصغائر, ولا من الظاهر ولا من السرائر.

 

ويجد الطائع الثواب, ويجد الفاسق العذاب, يجد المؤمن لذة الوصال, بالنظر إلى الكبير المتعال, في دار الخلد والجلال, ويجد الكافر العذاب والنكال, والسلاسل والأغلال, والجحيم والخبال, وفظاعة الأهوال ((يوم تجد كل نفس ما عملت)) _ آل عمران: 30_ يجد المؤمن النعيم والكرامة, والأمن في القيامة, والعافية والسلامة, والحلول في دار المقامة, ويجد الكافر الخزي والندامة, والعذاب والملامة: ((يوم تجد كل نفس ما عملت)) _ آل عمران: 30_ يجد المؤمن الدرجات, ويجد الكافر العقوبات, يجد المؤمن السرور, ويجد الفاجر الثبور, يجد المؤمن النعيم والخلود ويجد الفاجر عذابا غير مردود, ويجد المؤمن ما قدم من الإحسان, في درجات الجنان في جوار الرحمن, مع الخيرات الحسان, ويجد الفاجر ما عمل من العصيان في سموم النيران, في جوار الشيطان, مع الذل والهوان. يوم تجد كل نفس ما عملت, في يوم هائل عظيم, يوم تكثر فيه الغموم وتعظم فيه الهموم, ويفصل الرب بين عباده وهو الحي القيوم: ((يوم تجد كل نفس)) _ آل عمران: 30_ يوم تندم على القبائح, وتتأسف عند معاينة الفضائح, وتوجد العمال في الصحائف الصحائح. ((يوم تجد كل نفس)) _ آل عمران: 30_ يوم يندم الظالم ويخسر الآثم, ويكون الجبار جل جلاله في ذلك اليوم العدل الحاكم, ذلك يوم الندامة والحسرة, والأهوال والعبرة.

 

((يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا)) _ آل عمران: 30_ أي تجده حاضرا عتيدا وتسأل عن أعمالك سؤالا شديدا: (( وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا)) –آل عمران: 30- وقيل الأمد البعيد الذي يود من عمل سوءا وعصى مولاه أن يكون بينه وبين عمله السوء كما بين المشرق والمغرب. وقيل الأمد البعيد الغاية في العبد الذي يتمنى أنه تاب في الدنيا وتبدل الشر بالخير حتى يمحي عنه السوء بالتوبة فلا يراه ولا يسمعه ولا يعاقب عليه إذا رأى التائبين غفر لهم بالتوبة, وبدلت سيئاتهم بالحسنات والأوبة, كما قال تعالى: ((والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون))_الفرقان:68_

 

فالله الله معشر المذنبين مثلي أبعدوا عن عمل السوء بالتوبة على الرحمن, ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها غرور الشيطان, واعلموا أن الله تبارك وتعالى يمحو عنكم سيئاتكم بترك الذنوب والعزم على التوبة, ويرحمكم يوم الحساب بحسن الأوبة. يا أخي وما عسى أن أقول لك من كرم مولاك الجليل جل جلاله لو أن الذنوب التي عملت في أيام طغيانك وعصيانك كانت مثل جبال الدنيا برمالها وبحارها وأنهارها, وتبت توبة واحدة بصدق وحرقة وندامة, ليغفرها لك مولاك الكريم بكرمه وفضله, ولا تسأل عنها يوم القيامة.

 

 

 

لابن القيم الجوزية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان

×