روِّض نفسك
طهِّر قلبكَ منَ الشوائب ، فالمحبةُ لا تُلقى إلا في قلبٍ طاهر
أما رأيتَ الزارعَ يتخيَّرُ الأرضَ الطيبةَ و يسقيها و يرويها ، ثم يثيرها و يقلبها
و كلما رأى حجراً ألقاه ، و كلما شاهدَ ما يؤذي نحَّاه
ثم يُلقي فيها البذرَ ، و يتعاهدها منْ طوارق الأذى
و كذلك الحقُّ عزَّ و جلَّ إذا أرادَ عبداً لوداده حصدَ منْ قلبه شوكَ الشرك
و طهَّره منْ أوساخ الرياء و الشك
ثم يسقيه ماءَ التوبة و الإنابة ، و يثيره بمسحأة الخوف و الإخلاص
فيستوي ظاهرُه و باطنُه في التقى
ثم يلقى فيه بذر الهدى ، فيثمر حبّ المحبة
فحينئذ تحمد المعرفة وطناً ظاهراً ، و قوتاً طاهراً
فيسكن لبّ القلب ، و يثبت به سلطانها في رستاق البذر
فيسري منْ بركاتها إلى العين ما يفضها عن سوى المحبوب
و إلى الكفّ ما يكفها عن المطلوب
و إلى اللسان ما يحبسُه عن فضول الكلام
و إلى القدم ما يمنعه منْ سرعة الإقدام
فما زالتْ تلك النفسُ الطاهرةُ
رائضها العلم
و نديمها الحِلم
و سجنها الخوف
و ميدانها الرجاء
و بستانها الخلوة
و كنزها القناعة
و بضاعتها اليقين
و مركبها الزهد
و طعامها الفكر
و حلواها الأنس
و هي مشغولةٌ بتوطئة رحلها لرحيلها ، و عين أملها ناظرة إلى سبيلها
فإنْ صعد حافظاها فالصحيفةُ نقية
و إنْ جاء البلاءُ فالنفسُ صابرةٌ تقية
و إنْ أقبلَ الموتُ وجدها منَ الغش خلية
فيا طوبى لها إذا نوديت يوم القيامة :
( ياأَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ . ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرضِيَّة )
ابن الجوزي





















